التحكيم التجاري – ضرورة أم حاجة

محمود النقيب - مستشار الوزارة لشئون الملكية الفكرية

* محمود ابراهيم النقيب                             

                                                                                        

يعد التحكيم من أقدم طرق حل وتسوية النزاعات ، بل سابق عن القضاء المنظم الذي يتولاه قضاءالدولة ، ويعد التحكيم من القضايا التي تعارفت عليها المجتمعات البشرية ، ومارستها منذ البدايات الأولى لنشاءة الحضارات الإنسانية ، فقد وجدت العديد من صور الحلول الودية الناجزة ، التي كان يلجاء إليها المتنازعون للفصل في الخلافات التي تحدث بينهم ، وتؤكد الشواهد أن هذه الوسائل تحظى بتفضيل لدى أطراف النزاع ، وقديماً قال الفيلسوف الأغريقي )ارسطو(ان التحكيم أفضل من القضاء الرسمي ، لأن المحكم يرى العدالة بينما لا يعتد القاضي إلا بالتشريع.

كما ازدهر التحكيم عند العرب ، وبرز عديد من المحكمين ، حيث أن كل قبيلة لها محكميها ، وكانت أبرز قضية قبل الإسلام حكم فيها رسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام ، هي رفع الصخرة المشرفة إلى مكانها ،عندما اختلفت قبائل قريش ، كما أقر الاسلام نظام التحكيم ، وحبذه ودعاء إليه ليكون الأقرب في حل الخصومات ، بين الناس بوسيلة تضمن التراضي وتأليف القلوب .

وفي العصر الحديث ازدادت وتيرة الإهتمام بالتحكيم ، نتيجة النمو المضطرد للتجارة الدولية والنشاط التجاري بين الدول ، كما انشئت منظمات وهيئات دولية ومراكز متخصصة للتحكيم التجاري ، وبفضل ذلك  تنامت عقود الإستثمار، وحرية إنتقال الأشخاص ورؤس الأموال وعقود نقل التكنولوجيا وعقود النقل ، والتأمين ، والعلاقات المصرفية .

على الرغم من الأهمية الكبيرة التي يحظى بها التحكيم على المستوى الدولي ، إلا أنه لم يحظى بنفس القدرمن الإهتمام في دول العالم الثالث والدول العربية بشكل خاص ، ويلاحظ ذلك من خلال تدني عدد الكوادر المؤهلة ( الخبراء ) في مجال التحكيم التجاري الدولي ، وهو ما يشكل حاله سلبية ينبغي الإلتفات اليها ، وخاصة إذا ماتم الأخذ في الإعتبار تطور وتشابك العلاقات الاقتصادية الدولية  وتعقدها ، وما ينتج عنها من تنامي للقضايا التجارية والاستثمارية التي تواجه المتعاملين وأصحاب العقود الاستثمارية ، وما يلحق بهم من من اضرار نتيجة الإفتقار الى الوعي الكافي بأهمية العناية عند صياغة العقود التجارية والاستثمارية ، واختيار نوع القضاء الذي يمكن اللجؤ اليه ومكانه في حالة حدوث نزاع عند تنفيذ هذه العقود.

من جهة اخرى ، هناك تحدي على المستوى الوطني يتمثل بقلة مراكز التحكيم والوساطة المتخصصة للقيام بمهام إعداد الخبراء ، والقيام بعملية التحكيم والوساطة بين الأطراف المتنازعة ، فضلاً عن قلة أعداد الخبراء والمحكمين التجارين الدوليين ، مما يؤدي الى إلحاق الضرر بأصحاب التعاملات التجارية والاستثمارية والاقتصاد الوطني .

ان الأهمية تقتضي تشجيع ورعاية إنشاء هذه المراكز ، للقيام بمهام تسوية المنازعات في الشؤون الاقتصادية والتجارية .

ومن الأهمية هنا أن نشير إلى الإهتمام الذي يحظى به التحكيم  على المستويات الوطنية ، والإقليمية ، والدولية ، والتأكيد على ضرورة وجود مراكز ولجان تحكيم ، لما تشكله من حافز لدى الشركات التجارية ، والجهات والمنظمات الاقليمية والدولية المهتمة بهذا النشاط . وقياس ذلك إلى الواقع بعدم وجود أعمال مؤسسات تحكيم متماسكة ، فأن ذلك يشكل متطلب  رئيسي ، ويعود سبب ذلك إلى عدم وجود مؤسسات تحكيم ذات جودة عالية في أعمالها وبالتالي يشكل تحدياً ينبغي التعامل معه .

وفي السياق ، تجدر الإشارة إلى تعاظم دور أعمال التحكم في الفصل في المنازعات التجارية ، وهو دور يتنامي ويلقى قبول لدى أطراف مهتمة ، ويمثل احد العوامل المهمة التي تؤكد إستقرار القاعدة القانونية في اي بلد . حيث أصبح من الملاحظ ، أن معظم العقود الإستثمارية والتعاملات التجارية تشترط أن يتضمن العقد اللجؤ إلى التحكيم التجاري عند حدوث اي نزاع ، صيانة للحقوق والحفاظ عليها.

إن إدارة الكثير من حلقات النقاش والمؤتمرات والبرامج التدريبية المتعلقة بالتحكيم التجاري ،هو ما يعني الشعور بأهمية الإعداد لمستقبل التعاملات الاقتصادية بين اليمن والعالم ، في علاقاته البينية بإعتبار أن التحكيم التجاري يستهدف في الأساس إستقرار التعاملات التجارية سواء كانت المحلية أو الأجنبية .

مع العلم أن أعمال التحكيم لا تحل محل المؤسسات القضائية ، إلا أنها تشكل أحد الروافد القضائية التي تعمل تحت اشراف المؤسسات القضائية ، وتمكن أهمية التحكيم التجاري  في المزايا التي يقدمها من حيث ، بساطة الاجراءات ، واختيار المحكمين من ذوي الخبرة والإختصاص في القضية محل النزاع ، وسرية وسرعة البت في المنازعات ، والمحافظة على استمرار العلاقة بين أطرف النزاع ، فضلاً عن أن بعض القضايا وطبيعتها قد لا تسمح للمتنازعين بعرضها على الجهات القضائية الرسمية ، وكل ذلك يشكل قيمة بحسابات التجارة والأنشطة الاقتصادية ، فضلاً عن أن أعمال التحكيم تخلق مناخات إيجابية لدى المتنازعين تحثهم للوصول إلى حلول مرضية لجميع الاطراف ، بعيداً عن الضغوط القضائية ، التي تتطلب اجراءات محددة أقرتها القوانين ، ليس هذا فحسب ، بل أن التحكيم يعمل على تخفيف الضغط على محاكم الدولة الرسمية .

وبشكل عام ، فإن  التحكيم  يخضع لإجراءات خاصة ، سهلة ، ومبسطة يتفق عليها الخصوم أنفسهم ، كما أنه لايفرض ،  فغاياته إيجاد الحل المناسب بطرق خاصة ، وهذه السمات والميزات الإيجابية لا يمكن لاي دولة أن تهمل التعامل معها ، بل صارت سمة وميزة في اطار إهتمامات الدول التي تعكس مستوى من الأستقرار، وما يعكسه هذا الإستقرار من تأكيد لقيام الثقة بين المتعاملين بسلامة ومكانة البنية القانونية القائمة في اي بلد.

إن إنضمام اليمن إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) وتوسع علاقاتها ومعاملاتها التجارية يرتب عليها إلتزامات يجب الوفاء بها ، وبما يمكنها ويؤهلها من التعامل السلس لمواجهة اي منازعات قد تنشأ نتيجة  هذه التعاملات ، وانسجاماً مع ذلك ، تأتي توجهات اليمن الإستثمارية بقصد إستجلاب روؤس الاموال كإلتزام أخر.

ومن الأهمية التأكيد أن وجود " صدور القانون  رقم (22) لسنة 1992م بشــأن التحكيم والقانون رقم (32) لسنة 1997م بتعديل بعض مواد القرار الجمهوري بالقانون رقم (22) لسنة 1992م بشـــأن التحكــيم " في اليمن  يشكل مقدمة مهمة للولوج إلى التحكيم الدولي . باعتبارأن اليمن بحكم تعاملاتها التجارية المختلفة ، تقف امام تحديات مختلفة يقتضي معها أن تكون مؤهلة للتعامل مع قواعد التحكيم الدولي ، وخاصة ما يتعلق بالقضايا التي افرزتها التطورات الحديثة والمرتبطة بتطور تقنيات المعلومات والاتصالات ، منها : التجارة الالكترونية ، واسماء النطاقات على الانترنت [1]، والتقيد بقواعد البورصات الدولية ، كل ذلك يتطلب السعي الحثيث لتأهيل اليمن لقواعد التحكيم الدولي القائمة على مبررات موضوعية وأسس ومعايير متعارف عليها ، بلا شك سيتطلب إجراء تحديث للتشريع الحالي بما يواكب هذه المستجدات ، وهذا الإجراء يجب أن يشترك في صياغته جميع الأطراف ، نقول ذلك انطلاقاً من أهمية أن نعمل اليوم بأفاق الغد.

ان تطورات العصر الذي نعيشه اليوم ، فرضت إيجاد أنواع جديدة من التحكيم التجاري ، منها التحكيم الإلكتروني ، حيث ارتبط هذا النوع من التحكيم بالتطورالتكنولوجي وإتساع إستخدام شبكةالانترنت، واصبح معني بحل النزاعات الناتجة عن البيئة الرقمية ، خصوصا في مجال التجارة الإلكترونية ،وفي مجال المنافسة وحقوق المؤلف، والعلامات التجارية ،والدفاع عن حرية التعبير والحياة الخاصة .

ولا يفوتنا التنويه الى أن التحكيم التجاري يمثل وسيلة مناسبة لحل قضايا النزاعات على عقود التراخيص المتعلقة بالملكية الفكرية ، لان من خصوصيات هذه النزاعات ، أنها ترتبط بعلاقة تجارية بين أطراف محكومة بعقود ذات طابع دولي ، وعلى صلة بسمعة شركة أو منتج ، كما أنها علاقة تشمل حقوق ملكية فكرية ، وتحتاج لتسوية جوانب ذات صفة تقنية ، قانونية أو تجارية ، ويكون فيها عامل الزمن ذات أهمية .

ونظراً للتنامي المضطرد لحركة طلبات حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وما رافق ذلك من حدوث نزاعات ، وإدراكاً من المنظمة العالمية للملكية الفكرية "WIPO" بأهمية تسوية هذه النزاعات في مناخات سليمة ، فقد بادرت الى إنشاء مركز التحكيم والوساطة كـ هيئة محايدة ودولية غير ربحية تقدم خدمات تسوية المنازعات، وتتيح خيارات فعالة ، من حيث الوقت والتكاليف لتسوية المنازعات ويقوم المركز بتقدم خدماته لتسوية المنازعات التجارية بين الأطراف الخاصة ، وبالتحديد تلك النزاعات ذات صلة بحقوق الملكية الفكرية ، ما يمكن القول معه أن التحكيم التجاري، أصبح  وسيلة تقنية ترتكزعلى الخبرة العملية والمهارة الفنية  وليس الخبرة القانونية.

ويتم إدارة كل اجراء وفقا لنظم متاحة بعدة لغات من ضمنها اللغة العربية ، ويمكن أن تطبق تحت أي نظام قانوني في العالم وضعت خصيصاً لتتماشى مع طبيعة المنازعات المتصلة بحقوق الملكية الفكرية.

ان ادراك الويبو( WIPO ) بأهمية تسوية النزاعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية عن طريق التحكيم ، يكمن في كون هذه المجالات لها طبيعة فنية دقيقة ، وخاصة قائمة على التخصص والخبرة ، ولا يمكن للقاضي الإستغناء أواللجؤ إلى أهل الخبرة لإعطاء الرأي بصدد موضوع معين قد يتعلق بحماية براءت الأختراع والمعلومات غير المفصح عنها، واللذين يحرص أصحابهما على كتمان جوانبها المختلفة واحاطتها بسياج من السرّية التامة .

ان فكرة التحكيم التجاري تقوم على إيجاب وقبول تتطابق بموجبهما إرادتان على حل النزاع الناشئ ، وحق الأطراف طواعية إختيار التحكيم كوسيلة بديلة عن قضاء الدولة في حل منازعاتهم . نطراً لما يعانيه القضاء الرسمي المختص من اختلالات ، حيث تعاني المحاكم التجارية من اختلالات بنيوية ، وهيكلية كبيرة، بالإضافة الى تعدد درجات التقاضي ، ما يمكن القول معه ان هذة المحاكم في الغالب لاتعمل من أجل المقاصد التي من أجلها انشئت ، وتأسيساً  على ذلك  واعتماداً على احصائيات القضايا المنظورة أمام القضاء يمكن ملاحظة وجود قضايا لا زالت منظورة امام المحاكم لسنوات ، بينما جوهر النزاع ما كان يحتاج إلا لفترات بسيطة ، ومن المعلوم أن التطويل وإدخال الخصوم في متاهات ينتج عنها ارتفاع تكاليف التقاضي للخصوم ، فضلاً عما تستغرقه هذه المطاولة من أثر نفسي ومعنوي على أطراف النزاع .

مما سبق يمكن أن نخلص ، بأن التحكيم التجاري وسيلة مثلى وفعالة لتسوية  المنازعات التجارية ، من خلال ما تتيحه من اجواء هادئة وعلاقة ودية بين أطرف النزاع من ناحية ، فضلاً انه اصبح يمثل أهمية ومكانه بارزة في الوعي القانوني والاقتصادي ، بإعتباره أحد البدائل والوسائل القانونية التي أقرتها التشريعات الوطنية والدولية كآلية ناجعة للتسوية والفصل في المنازعات بين الخصوم بطريقه سهلة ، وتهيئة البيئة الإستثمارية . من ناحية اخرى .

أن توسع العلاقات الاقتصادية الدولية قد أدى إلى تعاظم دور التحكيم التجاري  كأحد المداخل الأساسية لحل النزاعات التي تواجه التعاملات الاقتصادية المستحدثة والمستجدات المترتبة عن الالتزمات والتعاقدات بين الأطراف في الوقت الحاضر ، بفعل ثورة الاتصالات والمعلومات ، وهو ما يتطلب معه تأهيل كوادر مدربة ، تسهم في توفير حلول في ظروف ملائمة تحافظ على الوفاق وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع .

*مستشار وزارة الصناعة والتجارة لشؤون الملكية الفكرية وحماية المستهلك .

..................................

المصادر :

-          زكريا محمد صالح السراجي ، المركو القانوني للمحكم في التحكيم التجاري ،دراسة مقارنه بين التشريعات الوضعية والفقة الاسلامي ،رسالة لنيل درجة الدكتوره في الحقوق ، جامعة عين شمس ،ص 2 ، 2010.

-          المؤسسة الدولية للتحكيم الدولي 00966548817784 .

-          علا زهران ، السبل البديلة لتسوية منازعات الملكية الفكرية ودور المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) ، مكتب الويبو للتعاون لأغراض التنمية مع البلدان العربية .

-          حول إمكانية إنشاء مركز عربي للتحكيم ، ورقة عمل المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية ، مقدمة إلى المؤتمر الثاني عشر لرؤساء هيئات قضايا الدولة في الدول العربية ، بيروت 22 – 24/08/2016 .

-          نورة حليمة ، التحكيم التجاري الدولي ، مذكرةماستر التخصص: إدارةالأعمال ، جامعة خميس مليانة ، كلية الحقوق والعلوم السياسية ،  السنة الجامعية: 2013 - 2014. ص 61 .

-          الوثائق الصادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية  ( WIPO).

 


[1] القضايا المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وأسماء النطاقات على الانترنت لا يمكن التعامل معها وفقاً للقضاء التقليدي ، وانما تتطلب قضاء إلكتروني من نوع خاص.